عبد الكريم الخطيب
485
التفسير القرآنى للقرآن
وعلم هؤلاء المشركين ، الضالين ، المكذبين باللّه - مع أنه مقصور على هذه الحياة الدنيا - هو علم يقف عند ظاهر الأمور فيها ، ولا ينفذ إلى الصميم منها . . ومن هنا ينخدع هؤلاء الضالون بهذا العلم الذي لا يمسك من الأشياء إلا ببريقها ، ولمعانها ، فيندفعون به إلى مواقع الهلاك ، كما يندفع الفراش إلى النار ، مأخوذا بضوئها ، مبهورا بألسنة لهيبها . . أما العلم الحقيقي بالحياة الدنيا ، وبما فيها من آيات اللّه المبثوثة في كل ذرة من ذراتها ، وما أودع اللّه سبحانه في الكائنات من أسرار ، فذلك علم من شأنه أن يفتح مغالق العقول ، ويضئ جوانب البصيرة ، ويهدى صاحبه إلى كل ما هو حق وخير . . وبهذا العلم ، يرى العالم قدرة اللّه ، ويتعرف إلى بعض ماله - سبحانه - من علم وحكمة ، فيؤمن باللّه ، ويؤمن بما أرسل اللّه من رسل ، وما أنزل من كتب . . وبهذا العلم يصل العالم بين الدنيا والآخرة ، فيعمل لهما معا . . إذ لا تعارض بين الدنيا والآخرة ، عند من يعلم حقيقة الدنيا ، ومكانها من الآخرة . . قوله تعالى : « أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ » . هو دعوة إلى هؤلاء المشركين الغافلين عن الحياة الآخرة ، أن يتفكروا في أنفسهم وما قام عليه خلقهم . . وكيف كان الإنسان ترابا ، ثم نطفة ، ثم صار رجلا . . فإن أقرب شئ إلى الإنسان هو ذاته ، وهذا يوجب عليه أن يتعرف إلى أقرب قريب إليه ، قبل أن يمد بصره إلى ما وراءه ، واللّه سبحانه وتعالى يقول : « وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ » . فإذا نظر الإنسان إلى نفسه ، نظرا سليما واعيا ، عرف بعض ما للخالق سبحانه